الســـــــــلام عليكم ورحمه الله وبركاتـــــــــــــــه وبعـــــــــــد هذه روايه نجران تحت الصفر للكاتب يحي يخلف وزير الثقافه الفلسطيني سابقا طبعت سنه1977م
الجزء الأول
أقبل المطوعون وطلبة المعهد الديني وأعضاء جمعية الأمر بالمعروف وحرس الأمير والخويان وباعة المقلقل وسيارات الونيت وعدد من مرتزقة بو طالب وواحد من الزيود..
أقبل الغامدي شيخ مشايخ التجار وسمية عبدة السديري سابقا وبائعة الفجل حاليا..
أقبل أحمد شاهي الطبيب الباكستاني في سيارة الإسعاف وأطلت من الدريشة غالية إبنة السميري قائد قوات الإمام ومن مطعم الحصري خرج أبو شنان الذي أطلق سراحه حديثا لأنه أفطر عامدا متعمدافي رمضان, ورفع مدير مكتب الإشراف هاتفه واتصل بالمدرسة المتوسطة فانطلق الصبية عبر شارع الزيود إلى الساحة الواسعة التي تتحول أيام الإثنين إلى سوق من أسواق العصور الوسطى, وتقافز الصبية والطلبة فوق أكياس المستكة والبهار والحبهان والمحلب والمروحة والحناء..
ودفعة واحدة ... صمتت بيوت نجران ... تسلل السكون إلى أزقتها ومنعرجاتها وملأ فجوات الأبواب وشقوق النوافذ, أحاط الناس بالساحة الواسعة من جميع الجهات وصعد الذين ضاقت الساحة عن إستيعابهم إلى سطوح المنازل التي تبدوا كقلاع تنتمي إلى عصر ما ..
قال أبو شنان وهو يضع المسواك في فمه كالسيجار: (ياويلي .. اليوم سيذبحون اليامي).
كان أحد الزيود إلى جانبه يمضغ القات بلا مبالاة فيما تقدمت سمية السمراء وقالت:أنا فدى عيونك يا يامي أنا فداك
قال أحد المطوعين : صل ياولد صل
غصت الساحة بالناس أكثر فأكثر
غصت بالوجوم والترقب والتوقعات..
أخرج أبو شنان المسواك من فمه وتذكر الألم الذي مزق أحشاءه عندما شرب زجاجة الكولونيا بعد أن عزت الخمرة
وقال لنفسه أن المرارة التي تملأه في هذه اللحظة أشد ألما حتى من ضرب الخناجر المعقوفة ..
شدت سمية أحد المطوعين من كتفه وقالت بغضب :
إيش عمل اليامي .. هه .. إيش عمل؟
أزاح المطوع يدها وقال دون أن ينظر إليها :
اليامي مخرب يتصل بالجمهوريين!
مسح الغامدي لحيته بباطن كفه بشرود وقال كأنما يخاطب نفسه : يستاهل كل من يخرج على طاعة السلطان!
قام أحد المشايخ عن الكرسي وأجلس مكانه الطبيب أحمد شاهي الذي ظل عابسا وهو يحمل حقيبته بقرف مؤكدا أنه غريب الوجه واليد واللسان ..
ظل الزيدي يمضغ القات بشرود بينما أصابعه تفرك الريالات الذهبية في جيب ثوبه الفضفاض ويحلم بأصفهان .. إمرأة تلهث على صدره تسقيه من رضابها .. يشربها مثل زجاجة ويسكي مثلجة في أبو رشاش ..
قالت الخادمة رباب القادمة لتوها من صعدة بلدة السميري :
صكي الدريشة ياغالية .. ذلحين يجي السميري ويحصل مالا تحمد عقباه.
قال أبو شنان ذات يوم بعد أن تعتعه السكر (غالية بنت السميري لها عينان مثل عيني الغزالة التي أرضعت بن ذي يزن.
ثم إنه في اليوم التالي دفع عشرين ريالا لرباب لكي تبلغها ذلك فضحكت غالية وقالت -بتهافت- : هذا الولد خبل مايعرف الليل من النهار, صكي الدريشة ياغالية ذلحين .. وي .. وي .. المستر ينظر إليك بالمنظار .. صكي الدريشة يا ابنة الاشراف.
كان ستيفن هايدن أو المستر كما يسمونه في نجران يقف على ظهر سيارته الروفر ويلتقط صورا بالكاميرا المتحركة
أغلقت رباب النافذة وقالت بلا مبالاة :متى يذبحون اليامي وننتهي من شره.
إرتسم غضب هائل على وجه سمية فصرخت بصوت مبحوح :
ها .. أنت .. إيش تفعل ياذاك النصراني؟
رفع المطوع خيزرانته في وجهها مهددا بشكل جدي وقال :
أسكتي ياعبدة السوء هذا معه أمر بالتصوير من الأمير طال عمره.
نقل أبو شنان المسواك إلى زاوية فمه وقال باستفزاز :
إسمع يا مطوع .. الشيخ يقول إن التصوير حرام كيف يسمح الأمير كيف؟
تحول المطوع إلى أبو شنان ورفع عليه خيزرانته :
إيش تقول ياكافر .. والله لولا الحد الذي سيقام على اليامي لفرشتك على الأرض وجلدتك مائة جلدة.
قال الغامدي يخاطب نفسه :
متى ينتهي الأمر ويكون اليامي عبرة لمن اعتبر.
ظلت أصابع الزيدي تلعب بالريالات الذهبية في جيبه وظلت المرأة تتسرب إلى تلافيف دماغه مع خدر القات ودبيب النعاس الصعب.
قالت سمية تخاطب عددا من الناس حولها :أنا أعرفه ياجماعة لقد أرضعته من ثديي يوم ان لسعت العقرب أمه كان أهله يسكنون معنى في الأخدود اليامي مظلوم.
فجأة وقف الجالسون وتقافز الناس على أكتاف بعضهم البعض ، إشرأبت عنق الغامدي وفتحت غالية النافذة غير عابئة بكاميرا المستر وتملك الزيدي صحو مفاجئ وشعر أبو شنان بحاجة لجرعة واحدة من أردأ أنواع الخمور.
أما سمية فقد أخذ قلبها يغوص ..
توقفت سيارة البيك اب الحمراء فأحاط بها الجنود وتقدم رجلان وقفا عند بابها الخلفي .. إنحبست الأنفاس
وفجأة إنفتح باب السيارة الخلفي عن اليامي
وجه منحوت من الصخر وعينان ثابتتان
حول الرقبة قيد تتدلى منه سلاسل تتصل بقيود رسغيه وقدميه ..
كان الصمت هائلا ومثل حجر الطاحون ثقيلا.
ظل المستر يسلط عدسته على العينين ..
تقدم الرجلان وأمسكا بذراعي اليامي ، إنتتر فاصطدمت حلقات السلاسل ببعضها البعض ودفعة واحدة أنزلاه إلى الأرض فارتطمت قدماه بالتراب ذي الرائحة المحروقة ..
جحظت عينا سمية وبدا كما لو أنها فقدت النطق
وفي رأس الزيدي إختلط الحابل بالنابل والأبيض بالأسود والغبار بأوامر بو طالب وخنجر الإمام بحذاء الولد الشمري.
دفعه الرجلان فمشى اليامي في الساحة ببطء ينقل قدميه بصعوبة ترافقه خشخشة السلاسل.
وسط الساحة تنفس بعمق ثم استدار مواجها العيون الصامته المأخوذة.
فبكى أبو شنان وتذكر عنترة إذ السهم في خاصرته وهو يتوكأ على رمحه ولهيبته تتراجع الجيوش الغازية
وقال لنفسه :الولد اليامي يموت ولا المهانة.
جاء مندوب الأمير يرافقه الشيخ يرافقهما كاتب المحكمة ..
قال مندوب الأمير شيئا وقال الشيخ شيئا أو بعض الشئ ثم نشر كاتب المحكمة ورقة طويلة وأخذ يقرأ بصعوبة.
قالت غالية السميري لرباب :ذلحين يطقون راسه
أغلقت رباب النافذة وقالت :لا تنظري حتى لا يصيبك الخفقان
صمتت غالية السميري وألصقت أذنها بخشب النافذة ..
أسرعت رباب ووضعت إسطوانة طلال مداح على قرص البيك اب فانطلقت ياسارية خبريني عما جرى.
وقف الطبيب أحمد شاهي ونظر إلى اليامي دون أن يفتح حقيبته ثم هز رأسه لمندوب الأمير كما لو أنه يخبره بأن كل شئ على مايرام.
وعند ذلك إستبدل المستر الفيلم الذي انتهى بآخر جديد وأعاد تصويب كاميرته بينما حديد غطاء الروفر يطقطق تحت قدميه.
(والله يا أبو شنان إنك تدفع كل عمرك من أجل اليامي ولكن ما باليد حيلة وغدا لن تجد في الكأس سوى دمعة واحدة تظل تكبر حتى يمتلئ الكأس بالنشيج)
القات اختمر ومن جديد عز النعاس الصعب واختلط الحابل بالنابل والعويل بحجر المسن وصراخ بو طالب برضاب أصفهان وصحن المقلقل بالعصيدة المرة.
فجأة ظهر المارد ...
لا أحد يعرف من أين وكيف لكنه ظهر وسط الساحة يلبس سروالا خفيفا وصدره العاري يكشف عن عضلات بارزة. ظل قلبها يغوص وقالت سمية :هذا هو الجلاد وفاضت عيناها بغزارة.
إقترب أحد المطاوعة وعصب عيني اليامي الذي ظل يحتفظ بتماسكه وان كان لونه قد أخذ يشحب بينما قام رجل آخر بفك القيد الذي يحيط برقبته
أشار مندوب الأمير فتقدم رجل يحمل سيفا عريض النصل وشت إنحناءة الرجل بثقله
هجم المارد على السيف حمله بذراعيه ثم سحبه من قرابه فالتمع النصل إذ لامس أشعة الشمس وتوهج
قال الغامدي لنفسه : هذا السياف عندما يرى الدم سوف يصيبه الهيجان وربما يذهب ضحية ذلك الكثير من الخلق فلماذا البقاء؟
أمسك المارد بالسيف وبدأ يتفحص ثقله ثم رفعه وأخذ يطعن الهواء كما لو أنه ينازل عدوا حقيقيا.
إنحبست الأنفاس أكثر فأكثر وانكمش اليامي مثل عصفور تنغرز أظافره بأسلاك الهاتف.
إنتهت الإسطوانة فقالت غالية وهي تنظر إلى خشب النافذة المغلقة :عجبا .. ماهذا الصمت
إقتربت رباب وفتحت النافذة بقدر يسمح لعينيها بالنظر وقالت :
المارد يقف بانتظار إشارة الأمير وبعد لحظات ينفصل رأسه عن جسده
وأعادة إبنة السميري إسطوانة ياسارية من جديد ..
جحظت عينا أبو شنان كأنما ذهبت السكرة وجاءت تماما الفكرة
كان الناس حوله ينظرون برعب وخوف.
أشار مندوب الأمير بيده ، صار القات مرا كالعلقم ، أحس الزيدي ببراغيث عقله تتطاير ، إستمرت ياسارية خبريني تدور وتدور وانتقل المسواك بعصبية في فم أبو شنان ..
رفع المارد سيفه عاليا ، شهقت العيون ، إنكمش العصفور برعب كأنما هبت موجة عاتية لإقتلاعه فاستماتت أظافره في أسلاك الهاتف
هوى السيف فاختلط الحابل بالنابل والأسمر بالأحمر والبارد بالساخن
شخب الدم ولكن لم يتدحرج الرأس.
أغمض مندوب الأمير عينيه وارتسم فزع لا يطاق على وجه أحمد شاهي
لقد أصاب نصل السيف أعلى الكتف .. صرخ اليامي من أعماق جمجمته بصوت مثل صرير الأسنان وبدا مثل ديك ذبحوا منه الوريد فهاجت حلاوة روحه وانطلق يبحث عن عراء ..
قفز في الهواء فشدته القيود والسلاسل ، ارتمى على الأرض يرتعش مثل جناح الديك في آخر أنفاسه
هاج المارد مثل موجة عاتية
شدد الحراس من تماسكهم حول الحلقة ومنعوا الناس من التدافع ..
هتف أبو شنان بكل مافي أعماقه من قهر :
أنا فدى عيونك يا يامي .. أنا فداك.
إنتفخت عروق المارد وأوداجه وفتحتا أنفه وهو ينظر إلى الجثة ، ودفعة واحدة رفع السيف عاليا وأهوى به على الرقبة.
فاختلط الحابل بالنابل والمحسوس بالمجرد والأحمر بالتراب والزيدي بحذاء الإمام والمستر بطلال مداح وأبو شنان بغضب الرب ،،،